جمعية بناء توصي بإنذار مبكر وحوكمة للمياه بعد دراسة وعي المزارعين بالمناخ في تعز.

كشفت دراسة ميدانية حديثة نفذتها جمعية بناء حول مدى وعي المزارعين بالتغيرات المناخية واستراتيجيات التكيف معها في محافظة تعز عن وجود إدراك عملي واسع لدى غالبية المزارعين لتغير أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة مثل الجفاف والسيول، مقابل ضعف في الفهم العلمي المنهجي لأسباب التغير المناخي وآليات التكيف المستدام، الأمر الذي ينعكس على محدودية تبنّي حلول فعّالة طويلة الأمد في القطاع الزراعي.

 

وبحسب الدراسة، فإن هذه الفجوة المعرفية تتزامن مع تحديات ضاغطة تعيشها تعز، أبرزها شح المياه واستنزاف الموارد الجوفية، وانتشار ممارسات زراعية كثيفة الاستهلاك للمياه، إلى جانب نقص الإرشاد الزراعي وضعف الوصول إلى المعلومات المناخية الموثوقة وارتفاع تكلفة التقنيات الزراعية الحديثة، ما يضعف قدرة المزارعين—خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة—على الانتقال إلى ممارسات “ذكية مناخيًا”.

 

مياه تعز في قلب الأزمة:

 

وترى الدراسة أن ملف المياه يمثل العقدة الأكبر في مسار التكيف، موضحة أن استمرار الاستنزاف والضغوط المناخية وتضرر البنية التحتية بفعل النزاع يفاقم هشاشة سبل العيش الزراعية ويهدد الأمن الغذائي. كما تؤكد أن الاستجابة الفعّالة تستلزم حزمة إجراءات على مستوى السياسات والإدارة المحلية تتعلق بتنظيم استخدام المياه ووقف الحفر غير القانوني للآبار وتمكين إدارة الأحواض المائية بمشاركة المستخدمين.

 

وفي محور إدارة المياه أوصت الدراسة بإجراءات محددة، من بينها إصدار مرسوم يضع أولوية استخدامات المياه (المنزلية أولًا ثم الحيوانية فالصناعية) مع تقييد الري من الآبار العميقة بما يضمن الاستدامة، إلى جانب وضع لوائح وطنية لإدارة المياه على مستوى المساقط المائية، وتطبيق القوانين لمنع الحفر غير القانوني وتشديد العقوبات وتحديد مسافات آمنة بين الآبار ومعدلات استخراج مستدامة.

 

إنذار مبكر وخطة استجابة:

 

وعلى صعيد إدارة المخاطر المناخية، شددت الدراسة على أهمية أنظمة الإنذار المبكر كأداة لإنقاذ الأرواح وتقليل خسائر السيول والانهيارات، داعية إلى إنشاء وتنفيذ أنظمة تغطي أنحاء اليمن وتمكّن المواطنين من اتخاذ إجراءات الاستجابة قبل وقوع الظواهر الشديدة.

 

كما وثّقت الدراسة مخرجات فعاليات محلية في تعز ناقشت آثار السيول والكوارث المناخية، وخلصت إلى توصيات عملية من بينها: إعداد خطة استجابة شاملة لمحافظة تعز حسب القطاعات، وإنشاء نظام إنذار مبكر على مستوى كل مديرية، وإعداد خرائط للمناطق المعرضة للسيول والانهيارات، وتعزيز البلاغ المجتمعي وتدريب اللجان المجتمعية، والتنسيق مع الشركاء الإنسانيين، وتمويل مشاريع البنى التحتية البيئية وتنفيذ حملات توعية بيئية مستدامة.

 

جمعية بناء: “الدليل يقود التدخل”:

 

وفي سياق ربط التوصيات بالممارسة، تشير الدراسة إلى أن قسم البيئة والمناخ في جمعية بناء (BCFHD) نفّذ سلسلة من اللقاءات والزيارات الميدانية إلى عدد من الجهات الرسمية في محافظة تعز—من بينها مكاتب البيئة والزراعة والمياه والصحة والنظافة والتحسين والتربية والتعليم والتخطيط والأشغال، إضافة إلى قسم البيئة بجامعة تعز—بهدف مناقشة أبرز التحديات البيئية وآثارها، والخدمات المقدمة في حالات السلم والطوارئ، واقتراح تحسينات وتحديد مشاريع ذات أولوية لمواجهتها.

 

وترى جمعية بناء أن هذا المسار يعكس منهجية “الدليل يقود التدخل”، حيث يتم الانتقال من رصد الفجوات والاحتياجات ميدانيًا إلى بناء أولويات قابلة للترجمة إلى خطط استجابة ومشروعات في المياه والزراعة والحد من مخاطر الكوارث، بما يضمن ملاءمة البرامج للواقع المحلي، ويزيد فرص الاستدامة والقبول المجتمعي.

 

زراعة ذكية مناخيًا:

 

على المستوى الزراعي، شددت الدراسة على ضرورة إعادة توجيه الاستثمارات نحو الزراعة الذكية مناخيًا، عبر دعم الزراعة البعلية والمحاصيل المقاومة للجفاف، وتقليل المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل القات لصالح الأمن الغذائي، وتنظيم استخدام المياه الجوفية.

 

كما أوصت بمجموعة إجراءات ميدانية مباشرة للمزارعين والمجتمعات، تشمل تعديل مواعيد الزراعة وفق مواسم الجفاف والأمطار، وتشجيع المحاصيل المقاومة وسريعة النضج وتنويع المحاصيل، واستخدام تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط وحصاد مياه الأمطار، وتعزيز الزراعة الحافظة والعضوية لتحسين خصوبة التربة وتقليل فقد المياه، وإدخال أدوات مساندة للقرار مثل الاستشعار عن بعد والتنبؤ المناخي، إضافة إلى تنفيذ برامج تدريب وورش عمل وتمكين المزارعين من الوصول إلى منح وقروض صغيرة لتبنّي تقنيات التكيف.

 

توصيات تتجاوز القطاع الزراعي:

 

ولا تقف التوصيات عند الزراعة والمياه، إذ تدعو الدراسة إلى رفع الوعي البيئي عبر التعليم والإعلام والتدريب وإدماج القضايا البيئية في المناهج منذ المراحل الأولى حتى الجامعة، مع تطبيق القوانين واللوائح البيئية بفعالية، والحد من التلوث الناتج عن المشتقات النفطية والنفايات وتنظيم إدارة البلاستيك وتطوير أساليب مستدامة للتخلص من النفايات في المدن والقرى.

 

كما تؤكد الدراسة أهمية إشراك المجتمع المحلي—وخاصة النساء والشباب والفئات المهمشة—في تصميم وتنفيذ برامج التكيف، لأن مشاركة هذه الفئات تُعد عنصرًا مؤثرًا في تعزيز الصمود المجتمعي.

الشكاوى